ابوالقاسم المشاي

الأحد,آب 10, 2008


121837

ما زال بوش, تشيني, وبلير فارين من وجه العدالة

 

بقلم/ ميخائيل مانديل

مهما كانت تحمل من معان, فان محاكمة رادوفان كاراديتش تغامر في كل الاحوال بالعمل ايضا على اعادة انتاج كليشهات قديمة ومزورة وتبقى الحقيقة هي الضحية. فاولها يفيد ان مذبحة سربرينيكا التي وقعت في العام 1995 ويقتضي العدل ان يدفع المسؤولون عنها جزاء ما اقترفوه كانت قد مثلت الجريمة الابشع التي شهدتها اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية, ويؤكد ثانيها ان عملية اعتقال كاراديتش كانت بعثت رسالة مفادها ان ليس هناك من هو فوق القانون. بخصوص الاول, ما الشعور المتولد وقت ان تكون الفظاعات المرتكبة خارج حدود اوروبا متفوقة على سربرينيكا, وكذلك كامل الحرب الاهلية البوسنية, للحد الذي يجعلها غير محسوسة؟ ملايين الاشخاص قتلوا في افريقيا من اجل الالماس والمعادن الثمينة. مئات الالاف من البشر قتلوا من اجل النفط في العراق. ملايين الفلسطينيين يخضعون لمعاملة وحشية, مجردين من حقوقهم الانسانية الاساسية في ظل احتلال عسكري غير قانوني مستمر منذ 41 عاما. ومن الواضح ان الامر لم يقتصر في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية على مسألة تجمع الوسط الاوروبي. فقد كان لها باستمرار هدف دعائي مستمر وغير ملتبس: ترسيخ معادلة زائفة ما بين قدر المسلمين البوسنيين وذلك الخاص بيهود اوروبا, بحيث تتم مساواة الصرب بالنازيين. تتفيه مرة اخرى للهولوكوست. لهذا كانت عملية فصل النساء والاطفال عن الرجال من ضمن الحكاية. لكن حقيقة ان الصربيين كانوا يتعمدون فعل ذلك من اجل انقاذ حياة الاطفال والنساء. في حين ان النازيين كانوا يلجأون لفعل ذلك بهدف قتلهم, لم يأت ذكره على لسان اي كان. ومع هذا, فان الوقائع تثبت ان القيام بالعمليات الانتقامية الدموية ضد رجال سربرينيكا. كان قد تم بعد سنوات من الهجمات الارهابية الدموية بدورها من قبل العصابات المسلحة ضد القرى الصربية في خضم حرب اهلية تم خوضها من حول شظايا دولة متعددة الاعراق, وجرى اذكاؤها بمعرفة اوروبا والولايات المتحدة الامريكية. هذا في الوقت الذي كان فيه هدف النازيين المعلن قد تمثل منذ البداية بابادة جميع يهود اوروبا, في اي بلد يعيشون, كغاية بحد ذاته. واطلاق تسمية مذبحة على ما فعله الصرب في البوسنة كان قد تطلب اختراقا طوعيا للقانون وللحقائق من قبل محكمة في يوغسلافيا السابقة, مشكلة ومزودة بشخصيات امريكية ومن الاتحاد الاوروبي بهدف التنصل ذاتيا من المآسي المتعلقة بمنطقة البلقان, الذين كانوا هم انفسهم المتسببين بها وبتغذيتها عن سابق معرفة نتيجة الطمع او لاسباب جيوسياسية للحد الذي جعل الامريكان يعمدون الى تخريب اتفاقيات السلام الخاصة بسربرينيكا قبل سنين عديدة. ان الصاق تهمة النازيين بالصرب, وملاحقتهم من قبل محكمة لاهاي كان من المفترض ان يخدم في نهاية المطاف تبرير التدخل المسلح من قبل القوى الغربية في كوسوفو. في انتهاك صريح لابسط قواعد ميثاق الامم المتحدة التي تقضي بعدم استخدام القوة الا في حالات الدفاع عن النفس, او بتفويض من مجلس الامن. ولقد جرى تلمس ماضي منطقة البلقان من قبل حماة حمى ادارة بوش لاجل تبرير حقيقة تجاهلهم ميثاق الامم المتحدة من خلال غزو العراق, وقتل مئات الاف من العراقيين. هكذا, فان محكمة الجنايات الدولية بمحاكماتها الاستعراضية لميلوسييتش وآخرين, وكاراديتش الان, ولو انها اتخذت منحى نوريمبيرغ الثانية كانت قد خدمت في واقع الامر بالتحريض على نوريمبيرغ جديدة بطريقة تمكن الزعماء الاوروبيين والامريكيين معها من ارتكاب ما يسمى تبعا لمحكمة نوريمبيرغ الجريمة الدولية الاسمى: الحرب العدوانية, الجريمة ضد السلام, اللتان لا تتميزان عن جرائم الحرب الاخرى الا كونها تحتوي بداخلها على تراكم الشر باكمله. من الطبيعي الاقدام على مثل هذه الاعمال الشريرة محصنين بالافلات من العقاب بحيث تستبعد اية امكانية لارسالهم للمثول امام محكمة لاهاي او اية محكمة اخرى. لهذا السبب, فان الفكرة القائلة ان اعتقال كاراديتش قد مثل رسالة مفادها ان ليس هناك من هو فوق القانون زائفة بعض الشيء. مثال ذلك, موريس مورينوا اوكامبو من محكمة الجنايات الدولية هو منشغل الى ابعد الحدود في جلب افريقيا الى المحاكمة بسبب الحروب التي تسببت بها القوى العظمى, ومحاولة الحصول على ثقة الامريكان. لهذا, عندما يعطي هؤلاء موافقتهم على المضي قدما ضد السودان, سرعان ما تقوم المحكمة بفعل ذلك متخيلة مرة اخرى وقوع مذبحة. وعندما يتم اعتماد تقييم اي خبير (مثال ذلك لجنة الامم المتحدة التي يترأسها انطونيو كاسينري) سيقال ان دارفور لا تمثل مذبحة, بل نزع, وموت وسط حرب اهلية تحركها القوى العظمى لاجل الاستحواذ على النفط, ولاسباب جيوسياسية. لتوخي الحقيقة يكون من المفترض ادخال تعديلات على عناوين الصحف كي تصبح على الشكل التالي: لقد تم القاء القبض على كاراديتش. اما بوش, تشيني, بلير, كلينتون.. الخ فما زالو فارين من وجه العدالة.0

 

* ميخائيل مانديل: استاذ القانون الدولي في جامعة يورك في تورونتو بكندا وسبق ان درّس في كل من ايطاليا واسرائيل

icaws